أحمد الفاروقي السرهندي

73

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

المشار إليه بأنّه محبّ لكلامك وراغب في استماع علومك فإن كتبت إلى جنابه كلمات لكان أفضل وأحسن . فأردت أن أكتب كلمات إجابة للملتمس وحيث كان في هذه الايّام ذكر بحث الإمامة أكثر وكلّ شخص ينسج الكلام في هذا الباب بالظّنّ والتّخمين أردت أن أكتب في هذا المبحث سطورا بالضّرورة وأن أبيّن حقيقة مذهب أهل السّنّة والجماعة ومذهب المخالفين . ( أيّها الطّالب للنّجاة ) إنّ من علامات أهل السّنّة والجماعة تفضيل الشّيخين ومحبّة الختنين واجتماع تفضيل الشّيخين مع محبّة الختنين من خصائص أهل السّنّة والجماعة تفضيل الشّيخين ثابت بإجماع الصّحابة والتّابعين كما نقله أكابر الائمّة أحدهم الإمام الشّافعيّ رحمه اللّه وقال الشّيخ أبو الحسن الاشعريّ : " تفضيل أبي بكر وعمر - رضي اللّه عنهما - على سائر الامّة قطعيّ " وقد ثبت عن عليّ - كرّم اللّه وجهه - بالتّواتر في زمن خلافته وكرسيّ مملكته وبيّن الجمّ الغفير من شيعته أنّ أبا بكر وعمر أفضل هذه الامّة كما ذكره الذّهبيّ وروى عنه الإمام البخاريّ أنّه قال : " أفضل النّاس بعد الرّسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - أبو بكر ثمّ عمر ثمّ رجل آخر . فقال ابنه محمّد بن الحنفيّة : ثمّ أنت فقال : ما أنا الّا رجل من المسلمين " ( وبالجملة ) انّ تفضيل الشّيخين قد بلغ من كثرة الرّواة الثقات حدّ الضّرورة والتّواتر فإنكاره إمّا من الجهل وإمّا من التّعصّب ولمّا لم يجد عبد الرّزّاق - الذي هو من أكابر الشّيعة - مجالا للإنكار قال بتفضيل الشّيخين من غير اختيار وقال " حيث فضّل عليّ الشّيخين على نفسه أفضّلها أنا أيضا عليه لتفضيله ولولا أنّه فضّلهما على نفسه لما فضّلتهما عليه وبال عليّ أن أدّعي محبّة عليّ ثمّ أخالفه " ولمّا كثر في زمان خلافة الختنين ظهور الفتن والاختلال في أمور النّاس وحصلت من هذه الجهة كدورة غير محصورة في قلوب النّاس واستولت العداوة والبغضاء فيما بين المسلمين عدّت محبّة الختنين أيضا بالضّرورة من جملة شرائط كون شخص من أهل السّنّة والجماعة لئلّا يسيء الجاهل الظّنّ من هذه الحيثيّة بأصحاب خير البشر - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - فكانت محبّة عليّ كرّم اللّه وجهه شرطا للتّسنّن ومن ليست فيه هذه المحبّة صار خارجا عن أهل السّنّة ويسمّي خارجيّا والذي اختار طرف الإفراط في محبّة عليّ ووقع منه الزّيادة على القدر اللّائق وأظهر الغلوّ في تلك المحبّة وأطال اللّسان بسبّ أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وترك طريق الصّحابة والتّابعين والسّلف الصّالحين رضوان اللّه عليهم أجمعين ورفضه سمّي رافضيّا فأهل السّنّة متوسّطون بين الإفراط في محبّة عليّ كرّم اللّه وجهه وبين التّفريط فيها اللّذين اختارهما الرّوافض والخوارج . ولا شكّ أنّ الحقّ في الوسط والافراط والتّفريط كلاهما مذمومان كما روى الإمام أحمد بن حنبل عن عليّ أنّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم " فيك مثل من عيسى ؛ عاداه اليهود حتّى بهتوا أمّه وأحبّه النّصارى حتّى أنزلوه منزلة ليس هو فيها " يعني : قالوا إنّه ابن اللّه فقال عليّ : " هلك فيّ اثنان المفرط في محبّتي حتّى يثبت لي ما ليس فيّ والثاني : من يعاديني ويفتري عليّ بالعداوة " فشبّه حال الخوارج بحال اليهود وحال الرّوافض بحال النّصارى